عبد القادر الجيلاني
197
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
فرجعت أمشي وسط المدينة فلا أدرك موضعا قد كان فيه شيء منبوذ إلا وقد سبقت إليه حتى وصلت إلى مسجد في سوق الريحانيين وقد أجهدني الجوع وعجزت عن التماسك فدخلت عليه وقعدت في جانب منه وقد كنت أصافح الموت إذ دخل شاب أعجمي معه خبز رصافي وشواء وجلس يأكل فكنت أكاد كلما رفع يده باللقمة أفتح فمي من شدة الجوع حتى أنكرت على نفسي ، وقلت : ما هذا ما ههنا إلا اللّه وما قضاه من الموت إذ التفت إلى العجمي فرآني فقال : بسم اللّه يا أخي ، فأبيت عليه فأقسم علي فبدرت نفسي إلى إجابته فأكلت مقصرا وأخذ يسألني ما شغلك ومن أين أنت ومن تعرف ، فقلت : أما شغلي فمتفقه وأما من أين أنا فمن جيلان ، فقال لي : وأنا من جيلان فهل تعرف شابّا جيلانيّا يسمى عبد القادر ، فقلت : أنا هو فاضطرب لذلك وتغير لونه ، وقال : واللّه يا أخي لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي فسألت عنك فلم يرشدني أحد إلى أن نفدت نفقتي وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا مما لك معي فلما كان هذا اليوم وهو الثالث قلت : قد تجاوزتني ثلاثة أيام لم آكل فيها طعاما وقد أحل لي الشارع أكل الميتة فأخذت من وديعتك ثمن الخبز والشواء فكل طيبا فإنما هو لك وأنا الآن ضيفك بعد أن كان في الظاهر لي وأنت ضيفي ، فقلت : وما ذاك ، فقال : إن أمك وجهت لك معي ثمانية دنانير فاشتريت منها هذا الطعام وأنا معتذر به إليك من خيانتي لك مع فسحة الشرع لي في بعض ذلك فسكنته وطيبت من نفسه وفضل من طعامنا ما دفعته إليه مع شيء من الذهب فقبله وانصرف . وقال الشيخ عبد اللّه السلمي : سمعت سيدنا الشيخ عبد القادر يقول : بقيت أياما لم أستطعم فيها بطعام فبينا أنا في محلة القطيعة الشرقية وإذا رجل قد جعل في يدي قرطاسة مصرورة وانصرف فأقبلت حتى دفعتها لبعض البقالين وأخذت منه خبزا سميذا وخبيصا وجئت إلى مسجد مفرد كنت أخلو فيه لإعادة الدرس وتركت ذلك في القبلة بين يدي وأخذت أفكر هل آكل أم لا فلمحت قرطاسا مطويّا في ظل الحائط فتناولته فإذا فيه مكتوب ، قال اللّه في بعض كتبه السالفة : ما للأقوياء والشهوات إنما جعلت الشهوات لضعفاء المؤمنين ليستعينوا بها على الطاعات ، فأخذت المنديل وتركت ما كان فيه في القبلة وصليت ركعتين وانصرفت رضي اللّه عنه . وقال الشيخ أبو عبد اللّه النجار : قال لي سيدنا الشيخ عبد القادر : كانت ترد على الأثقال الكثيرة لو وضعت على الجبال تفسخت فإذا كثرت علي وضعت جنبي على الأرض ، وقلت : فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ، ثم أرفع رأسي وقد